خواجه نصير الدين الطوسي

13

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

المعقولات لا المحسوسات » ليست بمحسوسات فقط ، فانّها لا يمكن أن تكون يقينيّة ولا غير يقينيّة بمعنى عدم الملكة ، بل إنّما هي ليست يقينيّة بمعنى السّلب ، كما أنّ الادراك وحده ليس حكما . وإذا كانت المحسوسات في هذا الكلام مقارنة للحكم يقال لها حكم المحسوسات باعتبار كونه مطابقة أو غير مطابقة أو صوابا أو غلطا . فادّعاء أنّ الجماعة المذكورة من الحكماء زعموا أنّ المحسوسات لا تكون يقينيّة ، ليس بحقّ ، وذلك أنّ الحكماء ذكروا أنّ مبادى اليقينيّات هي الأوّليّات والمحسوسات والمجرّبات والمتواترات والحدسيّات ، وسمّوها بالقضايا الواجب قبولها ؛ وذكروا أنّ مبادى المجرّبات والمتواترات والحدسيّات هي الاحساس بالجزئيات ، وأنّ الأوليّات يكتسبها الصّبيان باستعداد يحصل لعقولهم من الاحساس بالجزئيّات . ولذلك حكم كبير الجماعة بأنّ « من فقد حسّا فقد علما » ، وأنّ أصول أكثر العلم الطّبيعىّ ، كالعلم بالسّماء والعالم ، والعلم بالكون والفساد ، وبالآثار العلويّة ، وبأحكام النّبات والحيوانات ، مأخوذ من الحسّ ؛ وعلم الارصاد والهيئة المبنيّة عليها عند بطلميوس ، وعلم التجارب الطّبيّة عند جالينوس مأخوذ من المحسوسات ؛ وعلم المناظر والمرايا وعلم جرّ الأثقال والحيل الرّياضيّة كلّها مبنىّ على الاحساس وأحكام المحسوسات . فاذن ، جلّ أقاويلهم يقتضي الوثوق بالمحسوسات الّتي هي مبادى جميع العلوم ، فكيف ساغ للمصنّف أن يدّعى عليهم بأنّهم قالوا : إنّ المحسوسات لا تكون يقينيّة ، بل إنّهم بيّنوا أحكام العقل في المحسوسات أيّها تكون يقينيّة وأيّها تكون غير يقينيّة . فإذن ، الصّواب والخطأ إنّما يعرضان للأحكام العقليّة ، لا على المحسوسات من حيث هي محسوسات . ولو كانت الأحكام الّتي تقع في معرض الغلط غير موثوق بها ، لكان المعقولات الصّرفة أيضا غير موثوق بها ، لكثرة وقوع الغلط للعقلاء فيها ، ولما جعل لبيان مواضع الغلط في المعقولات ولا في المحسوسات صناعة كصناعتي